نشأ السنن السياسي ذو الطابع القبلي مع بداية فرض الديموقراطية على العالم المتخلف في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبما أننا نوسم "بالسيبة" منذ زمن بعيد، ونعتبر أوفياء للعادات والتقاليد البائد منها، وغير الصالح بالأساس؛ انغمسنا في النهج الجديد بنهم دون أن نميز بينه ومعاييرنا الغثة حتى أصبح نهجا ملائما خاصا، وبات منتقده مجنونا بل مرتدا. فتبدلت المفاهيم والمعايير الصالحة التي كان الأجداد والمجتمع الشنقيطي يعتمدونها وحلت محلها مفاهيم غريبة. أصبحت الرجولة تطلق على المزور ناهب المال العام الذي يتقلب في المناصب السامية مكافأة له على العمل المتقن الذي يقدمه في حق المؤسسة الاجتماعية. وأما المستقيم الساهر على المصالح العامة فـ"مبيدل" و"ازويكل"، لا مكان له في المنظومة. وكل المجتمع يزدريه وينظر إليه بالدونية.
وما يدعو إلى الغرابة والعجب أننا في ظرف عقدين من الزمن زرعت في ذاكرتنا الجمعية كل هذه الأمور السلبية. و الأغرب من ذلك أننا منذ الـ60نيات نطمح إلى بناء دولة ولكن لم ننجح في ذلك فهيأتنا لا تتناسب والانتظام، وتفكيرنا يأبى تأسيس الدول. ومع ذلك يتوفر عندنا كل شيء عدى مقومات الدولة. لماذا يا ترى؟
أظن أن لكل فرد في المجتمع الموريتاني طريقته في الإجابة ولكن من الأكيد أن هناك إجابات ستتكرر كاللازمة أو الروي. وهي أن سبب عدم مقدرتنا على بناء دولة على غرار كل شعوب الأرض الأخرى هي استفحال البداوة في مجتمعنا؛ وانقسامها إلى: بداوة بدوية وبداوة حضرية. ويبدو أن للثانية أي البداوة الحضرية نصيب الأسد في هدم مقومات الحضارة فينا وقتل نظرية "النشوء والتطور" عندنا؛ بما أن معظم رجالات الدولة ممن أفلسوها منذ انقلاب 10 جويلي 1978 ينتمون إلى البداوة الحضرية؛ فمنهم جل السياسيين، والمثقفين الذين أضناهم "الكوس" وهتك فكرهم احترام الكثير من العلاقات الاجتماعية التي أصبح الامتثال إليها من باب المعتقدات الداخلة في حيز العادات والتقاليد؛ ومنهم شباب أراد أن يشتغل في مقتبل العمر بعد أن فك شفرة طرق جني المال والجاه والغنى المتسارع في البلاد؛ ومنهم جل الأنظمة الأمنية العسكر والحرس والدرك والشرطة بفصيليها المتناحرين والديوانة .. إلخ.
نشير إلى أنه ليس كل هذه الفرق متساوية في الحظوة أفقيا وعموديا في غبن المجتمع الموريتاني وإنما توجد معايير أخرى داخل الفرق وفيما بينها. إذ يتم انتقاء شخصيات بعينها بخصائص أخرى (VIP) أظن أن الجميع يعرفها، (النسب، القبيلة، والبشرة إلى حد ما، ...). ولكن أن شهادات من الداخل ما فتئت تظهر بين الفينة والأخرى نتيجة الترحال السياسي الذي لصق في مخيلتنا نتيجة ميكروزوم الرحيل الجاثم في لاوعينا الجمعي والموروث من البداوة الأصل، بالاضافة إلى الحرية المطلقة التي تشوبها فوضوية أظن أن للسيبة التي طبعت "تاريخنا" الحديث والمعاصر، إن كان هذا التصنيف جاريا علينا، ضلع كبير في ذلك.
نعم إنها خصائص طبيعية استوحاها "الإنسان الموريتاني" من محيطه المتصحر الجاف المغبر، فلم يستطع التدخل من أجل إرساء منطق ولو بسيط يجري على "لا منطقية الطبيعة" إن جاز لنا قول ذلك، خاصة أن جان جاك روسو في "خطاب إعلان الإيمان"، اعتنق عقيدة ما أسماه بعقيدة الدين الطبيعي. والكل يعلم في هذا المجال أن الطبيعة تقوم على تناسق وانتظام محكم على الرغم من أن بعضها يتغذى على بعض. ولكن هذه الفوضوية النظامية حسب فهم الانسان القاصر بالفطرة أكثر عدلا وتماسكا وانسجاما مع الطبيعة ومبادئها من بطش الانسان "الظلوم" "الكفور" "الجهول" على الرغم من المركزية التي حباه الخالق بها عندما اختار "الأمانة".
انطلاقا من هذه المسائل سنحاول قراءة "النظام الحانوتي" في تمظهره الثلاثي الذي أثار العديد من الإشكاليات غير الموضوعية في مجملها على الرغم ما احتماله هو الآخر ثقرات ضعفت فيها حنكة الرجل في محاكمة العقود الأربعة ونيف الأخيرة التي طبعت الدولة الموريتانية أو الدول التي تعاقبت على المجتمع الأهلي الموريتاني.
سوف نعالج القضية في محورين اثنين
1- المسار الحانوتي
2- الردود على المسار الحانوتي
1- المسار الحانوتي:
صحيح أن كل نص له خلفيات وأسباب قادحة جعلت كاتبه يتجشم الكثير من الصعوبات من أجل وصف حالة أو إبداء رأي مساندا أم منتقدا. ويبدو من خلال ما قرأنا في "المواقع الموريتانية" أو وسائل الاتصال الاجتماعي أن السبب المباشر في النظام الحانوتي هو: افتقاد الدكتور الشيخ ولد حرمة عضو المجلس الوطني والمكتب التنفيذي لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية السابق لمركزه الحزبي، عندما شطب اسمه من اللائحة الوطنية لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية. ويبدو أنّ بيانا جديدا نشره حزب الاتحاد من أجل الجمهورية نفى هذه الأطروحة معتبرا أن بعض الأصدقاء "دبجوا الدعاوى بلا بينات، على تلقيهم وعودا من قيادة الحزب بتبوء مواقع متقدمة على قوائم الترشيحات، ثم خابت تلك الظنون" (بيان حزب الاتحاد من أجل الجمهورية). وأضاف البيان مؤكدا انسحاب الطبيب من الحزب بطريقة مفاجئة ذاكرا "أن بعض الأصدقاء الذين كنا ننعم بوجودهم معنا ونقدر لهم دورهم في الهيآت العليا، قرروا فجأة الانسحاب من الحزب من تلقاء أنفسهم" (البيان المذكور). وقد ذكرنا أن المشار إليه في البيان الدكتور الطبيب نظرا لقرائن عديدة منها ما استشهدنا به ومنها ما ورد واصفا لما أثارته المقالات من ردود وانتقادات.
والغريب في الأمر أنّ رسالة الاستقالة التي قدمها الدكتور والتي لم يوضح فيها أسباب الاستقالة ذكر فيها أنه يجد نفسه "مضطرا لأسباب لا تخفى عليكم" يقصد رئيس الحزب محمد محمود ولد محمد الأمين "ولا داعي لتناولها هنا، لتقديم استقالتي من عضويتي في المجلس الوطني والمكتب التنفيذي لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية" (الأخبار 60-11-2013). إذن فالآراء متضاربة والحقيقة لم تتضح بعد مثل حقائق عديدة لا نزال نضع عليها علامة استفهام. ويبدو أنّ مقالا جديدا لمحمد المختار ولد أحمين أعمر قد جاء باتهام جديد من تنسيق أخبار متفرقة أو رحلات مختلفة في سيناريو محكم ذكرنا بتميم الديري أو قصة الخضر إلياس مع موسى عليه السلام لا من حيث المضمون وإنما من حيث الترحال وحبك الوقائع. فقد ذكر ولد أحمين أعمر أن قضية الخلاف بين الدكتور والرئيس تعود إلى اختفاء ثلاثة أجهزة طبية من أصل ثلاثة مائة جهاز طبيArrivages مستورد، خرج الرئيس باكرا في سرية من أجل الوقوف على عددها. (عزيز يتحدث عن علاقته بقبيلته وعن القطيعة مع ولد بوعماتو)
أ- المقال الأول: وكاف حانوت الدويره
استفتح الدكتور خطبته بآيات من سورة الأنعام (74-79). وأظن أن الكاتب يريد منها أن المرء في بحثه الدؤوب عن الحقيقة قد يراها في أشياء عديدة ولكن في آخر المطاف قد يقف عليها على غرار سعي إبراهيم في بحثه عن الخالق عندما طلبه في الكواكب. وأظن أن كل ذالك بمثابة الكناية عن مسار الدكتور الذي من خلال كتاباته أظهر نفسه باحثا عن الحقيقة التي نراها في مقالاته تعني المصلحة الوطنية. بقي إن كان هذا الأمر هو المحرك الفعلي أم لا !!!، أظن أن المراحل القادمة ستبين ذلك. ويبدو أن إجابة على هذا السؤال توجد في الفقرة الموالية للآية إن اعتبرنا أن اختيار الكتابة وسيلة لسبر الرأي. إذ أشار وزير الصحة الأسبق أنه عندما رفض الرئيس السابق معوية إصلاح الأوضاع، دفع الدكتور بولد هيدالة إلى الترشح بما أنه يرى فيه رجل المرحلة.
نجح معاوية وبقي صاحب النظام الحانوتي معارضا يصل صوته الخافت من "واد الناقة". والمتتبع لهذا التمشي لا محالة عارف بأن الرجل سيبارك الانقلاب على معاوية مثله في ذلك مثل جل الموريتانيين الذين يريدون ترميم خطاطة الدولة لما عانوه وعانته من إنهاك على الرغم من أنّ جلهم الآخر (لووول) تسير به موجة وتأتي به أخرى. ويبدو من خلال تمشي هذا المقال أن الرجل يبدي آراءه عند الحاجة، مع العلم أنّ ما وصف به الرجل من عبارات نابية وما تنبأ به هو من ردود فعل رافضة قد يقوي شوكة الرأي الآخر الذي يذم عملية الترحال السياسي خاصة أن الفضائح السياسية لا تظهر حقيقتها لضعف الصحفيين الجادين ومجانبة الصواب لجزء كبير منهم نتيجة امتهان الاتجار بالمعلومة، ينضاف إلى ذلك غموض المجتمع الأهلي الموريتاني.
أ.أ- رمزية وكاف حانوت أدويره (الدويرة قرية مغربية)
بعد استفتاحه الاستهلال بآيات دالة من سورة الأنعام، أضاف إلى رمزية الباحث عن الحقيقة رمزية القناع أو شخصية السروجي في مقامات الحريري إذا ما تجاوزنا الهمذاني. ونقصد هنا شخصية "الوكاف". وقبل تحديد الشخصيات نشير إلى أننا تبين لنا من خلال قراءتنا للنظام الحانوتي أن الطبيب يتجاذبه قطبان قطب يظهر فيه بمثابة الدارس السوسيولوجي الباحث عن لب قضية سبب التراجع البين لمسار التطور في الدولة؛ وقطب آخر يتقمص فيه شخصية السياسي الفج الخبير في طُرق اقتناص نقاط ضعف فريسته أو عيوبها، وقد رشحنا كفة القطب الأول على الثاني على الرغم من أن الكاتب استغله من أجل تعرية رفاق الأمس.
ففي النظام الحانوتي ثلاث شخصيات أساسية:
- شحصية الباحث عن الحقيقة ( سأسميها الباحث في ما تبقى من المقال)
- وشخصية المقنع الظلامي الذي لا يختلق في تخفيه عن الكثير من الشخصيات الافتراضية في المواقع الاجتماعية و(سأسمي هذه الشخصية المقنعة بالحاجب).
- شخصية ثالثة وهي لصاحب الحانوت وسكان قرية الدويرة. إذ انطلت على الجميع الحيلة، وهو المجتمع الأهلي الموريتاني (الشعب) عند البعض؛ وأظنها تسمية لا تجري علينا في هذه الفترة باعتبار أن للمجتمع دورة حياة تعتبر مرحلة "الشعب" مرتبة الفتوة فيها؛ ونحن لا نزال في الطور القبلي أي في بداية السنن الاجتماعي.
إنّ محاولة إسقاط هذه الشخصيات على واقعنا هي مكمن الاختلاف في بعض الردود. وانطلاقا مما قرأنا في الأصول والفروع أي النظام الحانوتي وردود فعله، تعكس شخصية الباحث، شخص الدكتور، وشخصية الحاجب نظاما بعينه، تارة وجميع الأنظمة الموريتانية تارة أخرى، والشخصية الأخيرة زيادة على المجتمع الأهلي قد تكون النظام المخلوع الخالع أي نظام ولد الطايع، أو نظام المخلوع أي نظام ولد الشيخ عبد الله، إذا ما اعتبرنا أن المقصود بالحاجب هو الحرس الرئاسي.
فقد اعتمدنا تمثيل الدكتور لشخصية الباحث انطلاقا من عدة إشارات في الاستهلال منها: "وسهل على الطبيب أن يفرق بين الشحم والورم" (النظام الحانوتي/1). أما شخصية الحاجب فقد استدللنا عليها بالأنظمة الموريتانية انظلاقا من: "في هذه المعالجة لن أشغل نفسي كثيرا بتشخيص الأنظمة الموريتانية.. إلا بقدر ما يخدم الرؤية التي سأعرضها على المواطن الموريتاني.. ليكون حكما" (النظام الحانوتي/1)؛ ويضيف "المشكلة هنا أن الخيوط الممسوكة كثيرة في الحلة الوطنية منذ الثامن والعشرين نوفمبر 1960، وإلى اليوم من 2013" (النظام الحانوتي/1). وقد اعتمدنا تمثيل المجتمع الأهلي الموريتاني بصاحب الحانوت بناء على "من المفارقات المستمرة وإلى الآن أن خمسة عقود من الركود واللاوعي لم تقنع الموريتانيين بأنهم يبنون في سفح الهاوية" (النظام الحانوتي/1). واعتمدنا تأويل الحانوت وصاحبه بالمجتمع الأهلي الموريتاني انطلاقا من التساؤل الذي تخلص به الطبيب من سرد قصة "حانوت وكاف أدويرة": "هل من هنا انطلقت عقدة الموريتانيين من الأنظمة الحانوتية التي تعاقبت على رقابهم.. العقدة من الحاكم الذي يقنبل البلد ويحرق أوصال الأمن والاستقرار الاجتماعي، ويحرك المياه القبلية والشرائحية والعرقية العكرة من أجل الاستيلاء على كل شيء – تافه في النهاية- ومن ثم حرق البلد لإخفاء جريمته؟!." (النظام الحانوتي/1). ويذكر ثنائية الوطن/الحانوت في (النظام الحانوتي/2)
فقضية "وقاف حانوت أدويره" إذن قضية مشعبة لأنها من جهة تمسح خمسة عقود ونيف ويتداخل فيها السياسي بالاجتماعي، وتغول الحكام بسذاجة الشعب، وتبدل المفاهيم بانسجام متناسق بين حركة الموريتاني تجاه الغنى في أبشع صوره، وتغاضي النظام عنه، في جو يتماهى مع ما يقوم به الاستعمار من استنزاف لخيرات المستعمرات؛ إلى درجة يمكن القول معها إن الأنظمة الموريتانية جاءت لهذه الأراضي لا من أجل خلق نواة أمة أو دولة وطنية على غرار كل الأمم وإنما مجرد "افرَيّكْ امْعَزّبْ" سيرحل إلى مكان آخر.
ب.أ- النظام الحانوتي/2: استلهام مفهوم النظام الحانوتي لقدرات الوكاف التزييفية
انطلق المقال الثاني أي تحليل ما جاء في الاستهلال بسورة التوبة/114 ودائما مع قصة إبراهيم. ولكن هنا ركز الدكتور على إقلاع إبراهيم عن الدعاء لأبيه والتبرؤ منه لما تبين له عداؤه للرسالة التي جاء بها. ومن هنا نستنتج إذا ما حاولنا الرجوع إلى النظام الحانوتي أن الباحث وقف على حقيقة مفادها أن ما كان يتوخاه من الحاجب أصبح بمثابة مطاردة خيط دخان. ولذلك أقلع عن محاولته اليائسة وأخذ في البحث عن بديل، وليس في الأمر تناقض مثل ما يظن البعض، حسب تسلسل قصة إبراهيم، وحسب تناسق الوكاف - وليس هو الوزير الأول كما أشار إلى ذلك الحاج ولد المصطفي في "أسئلة وملاحظات (حول المسار الحانوتي)" بفهم متعجل نوعا ما - مع النظام الموريتاني؛ وما يعكس ذلك من خلاف بين كتابات الرجل وهو في رحم النظام مع كتاباته وهو يصفه بالحانوتي. وبالتالي يبدو أن الرجل كان ينتظر طفرة النمور الآسوية فوجد نفسه في الصومال، أو خارج التاريخ.
أردف الدكتور الآية بملحة نُسبت للعالم الجليل حمدن رحمه الله عندما أراد "احْلِيبْ لَكْبَاشْ" خطأ، ولكنه خرج من القضية بنكتة وظفها الطبيب من أجل تناسق الأفكار ورسم طريق خاص في الكتابة يستدل به عليه. فليس العيب في من يعيد إعادة ترتيب أوراقه عندما يتبين له الخطأ، إنما العيب في التمادي فيه. وأظن أنه هنا يريد أن ينأى بنفسه عن أولئك الذين يلتحفون بظل الأنظمة المتعاقبة على البلاد سواء الانقلابي منها أو القادم بالاقتراع وهو قليل.
ينفي الشيخ ولد حرمة عن نفسه أن يكون حانوت أدويرة قد منحه صيتا جديدا أو تألقا يكمل صورته بناءا على افتراض تنبأ به نظرا لما ستثيره كتاباته من ردود فعل. ويبدو في هذا السياق أن حانوت أدويره أطلقها هذه المرة على نظام الرئيس عزيز باعتبار أنه لم يدخل في مساومة مع أي حانوت من الحوانيت التي سبقت الرئيس عزيز. وليست هذه هي الإشارة الوحيدة التي تجعل قارئ الدكتور الطبيب يسقط النظام الحانوتي على هذا النظام. فقد أشار الطبيب إلى أنه لن يركز في نظامه الحانوتي إلاّ على ما يخدم منهجه الحالي في اعتراف يمكن أن يقتل في القارئ سمة الباحث الاجتماعي وهو أمر لا نتفق في معه لما وجدنا من تركيزه على خلع هذا المفهوم على النظام الحالي وحده على الرغم من أن ملامح وكاف حانوت ادويرة لاتزال بارزة فيه باعتبار أن التحول الاجتماعي لا يحدث بين عشية وضحاها، خاصة أن هذا النمط من المحسوبية والتزوير ونهب أموال الناس بالباطل لازمنا منذ عقود، ولا يزال مستفحلا باعتبار أن القانون الموريتاني لا يسأل عن مصادر غنى الموريتاني مهما ما استدعت من شبهات، فكلنا يعرف القضية، فقد أفلست البنوك، وفر الموريتانيون من الخليج والصين وتركيا وإفريقيا بأموال أناس أمنوهم عليها، أضف إلى ذلك المواد الغذائية والأدوية المنتهية الصلوحية والمخدرات، .... وكل السموم التي سببت أوبئة وأمراض السرطان كان سببها التجار الموريتانيين الذين لا يهمهم سوى الربح.
فالمجتمع الأهلي الموريتاني عاش فترة من التمويه والميوعة والنفاق والتزلف جعله يتذلل للغني مهما كانت مصادره وللحاكم بغض النظر عن شرعية حكمه. ومن هنا نقول إن تبجح الناطق باسم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في البيان الذي نشرته الطواري من أن حزبه "هو أكبر الأحزاب الموريتانية وجودا في الساحة السياسية" ينبني على مغالطة كبيرة باعتبار أن الشوط الأول من الانتخابات التشريعية الماضية بين العكس، وليس انتشار الأحزاب الفرعية الداعمة للبرنامج إلا دليلا واضحا على عدم رضى الكثير من القادة السياسيين على القادة الكرتونيين لهياكل الحزب، على الرغم من أننا لا ننكر تمسك رئيس الجمهورية بإشراك الشباب من أجل تجديد الساحة السياسية المهترئة، خاصة أنه دعا مائتا شاب من أجل نقاش تنموي قد تكون له قيمة كبيرة لو كان المتحكمون فيه نزهاء. ومن الأكيد أن الكثير من الشباب سيملأ الاستمارة والكثير منهم سينظر إليها بازدراء باعتبار أن القائمين على اختيار الأشخاص لهم أولاد وأقارب وأصدقاء سيرسلون هم أسماء ..... "الغناية ألّتعَرْفُو".
وقريب مما قام به الناطق باسم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ما وجدناه عند ولد محمين أعمر في قوله: "أي منا نحن السياسيون خلال الأسبوع الثاني من الحملة الرئاسية يمكنه أن يكاشف إدارة حملته بالقول أنه لن يوفر الموارد ولا مكبرات الصوت، فمن شاء فليمض ومن شاء فليترك؟ وأي منا كذلك يمكنه قبل الاقتراع بثلاثة أيام أن يصارح وجهاء من المجتمع التقليدي يريد أصواتهم وأصوات خلفياتهم الشعبية، بعكس ما يريدون ويهدد أبنائهم بالسجن؟" متناسيا أن الرئيس على رأس "المجلس الأعلى للدولة" من سنة أو تزيد. فلا غرابة أن تكون له سلطة وهو الجنرال المقال، ولا غرابة أن يهابه رجال حملته في أرض امتهن أهلها ركن الطواف بالحاكم.
بدا الدكتور يبرر سبب تغيير مواقفه في ما أسماه "إعلان التوبة"، ذاكرا آياتا تتضمن التوبة والاستغفار وطلب الصفح من المعارضة لما صدر منه في مقامه الأول أي النظام مدعيا أنه كان يتوسم الخير فيه وأنه فهم، لا على غرار المخلوع المتهم بالهروب وإنما على غرار التائب المستغفر من الذنب الساعي إلى فتح أبواب جديدة مع خصوم الأمس بعد أن تحول الأصدقاء أعداءًا بموجب الحرص على الوطن حسب ادعاء الدكتور. فللرجل أدلة عديدة على سقطات النظام. فذكرت الإنجازات في المرحلة الأولى، مرحلة التناغم والانسجام، أما وقد حصل الطلاق فقد حان وقت "الجّفْ".
نعم أرى أنّ المرحلتين تكملان بعضهما، مرحلة لم يرى فيها الشيخ سقطات النظام بناء على نزوله منزلة العاشق الولهان الذي يرى في عيوب المعشوقة حسنات، لما عانه تحت حكم ولد الطايع. وفي المرحلة الثانية انقشعت الغيمة وسقط القناع فإذا بآدم وحواء في العراء بعد الرضوخ لصوت إبليس .فماذا يا ترى سبب تعرية الشيخ ولد حرمة للنظام في أبشع صوره "وكاف حانوت أدويره"؟ أظنه غامض غموض الرصاصة.
إن خروج الرجل وطلبه الصفح من المعارضة لم يذهب به إلى الاصطفاف إلى جانب دعاة الثورة باعتبار أن عوائق عديدة تحول بينه وبين هذه الدعوة المتضمنة لقدر كبير من السذاجة. إذ أن للنظام وسائله القمعية؛ وللثورات الحالية فوضوية أفسدت جل الثورات؛ ثم إن المجتمع الأهلي الموريتاني لم يصل درجة من الوعي تخول له تبني الأفكار الثورية، أو تشفع له إن دخل المجال الثوري أبشع تجلياته. فليبيا وسوريا ومصر مثال حي على ذلك، باعتبار أن نجاح تونس كان نتيجة توفر تلك الشروط وابتعاد العسكر عن السلطة وذلك ما لم تنعم به البلدان التي أضحت لعنة على الثورة والثوار. ولن ننعم به نحن الذين نبتعد أشواطا وسنين ضوئية عن المجتمع الدولي رغم قيادتنا الحالية للاتحاد الإفريقي.
قارن الطبيب بين الحالة الراهنة والحالة التي جاءت بانقلاب 9 يوليو 1978، معتبرا أن بينهما تشابه كبير مما جعله قسم الانقلابات العسكرية إلى دائرتين اثنتين: دائرة الصف الأول "وهي عادة دائرة صغيرة، من المفترض أن لا يُسمح بوجود أبواب و نوافذ فيها" (النظام الحانوتي/2)؛ ودائرة الصف الثاني "فهي التي تحركت في 8 يونيو 2003، وهي دائرة تصعب السيطرة عليها، بقدر ما أن نتائج تحركها تعتمد أيضا على مستوى من يؤطرها نظريا على فكرة التغيير" (النظام الحانوتي/2). ويبدو أن بعض مثقفي "بَنَافَه" على غرار تسمية الداعية الكبير محمد ولد سيد يحي يهرولون إلى العسكر من أجل تغيير الأوضاع و"اختصار الطريق". ويبدو أن شخصيات معروفة ذكرها الطبيب كانت تقوم بدور المقاول في هذا المجال ولكنها حسب الطبيب لا توفق في اختيار "المنقذ" باعتبار أن ما بني على الباطل فهو كذلك.
يسعى الرجل إلى محاربة بعض السياسيين الذين يلجأون إلى العسكر رغم أنّ المؤسسة العسكرية تشمل الكثير من القادة الوطنيين الذين يريدون الخير للبلاد والعباد. ورغم أن هذه الأبعاد التي تحدث عنها صاحب المقال تحمل سمات التغيير الانقلابي الذي دأب على طلبه بعض المثقفين فإن الشيخ لا يرى أن البلاد في حاجة إلى انقلاب آخر لا باعتبار أنها حطمت الرقم القياسي العالمي في هذا المجال فحسب، وإنما حان الوقت ليكون مصدر التغيير الوحيد عندنا هو صناديق الاقتراع وبنزاهة. ومن هذا المنطلق أشار الطبيب إلى أننا في حاجة ماسة إلى قراءة تجارب العظماء المؤسسين للأمم العظيمة وحركات التحرر في القرن العشرين؛ مع العلم أننا ندرس هذه الأمور في الباك ولكن لا حياة لمن تنادي.
يختم الطبيب مقاله الثاني بعد الحديث عن تقبل المجتمع الأهلي الموريتاني للانقلاب الأخير الذي أحدث منعرجا خطيرا ووسم بوادر الديموقراطية في البلاد بميسم ساخر أضفاه عليها العالم بعد ان أشاد بما حصل من تسليم العسكر للسلطة بسؤالين خطيرين أحدهما استنكر فيه ما وسمه بخيانة النظام لرأس المال الخليجي والارتماء في أحضان إيران التي فتحت جبهات تشيع عديدة في البلاد، وتساءل في الثاني عن جدوائية رجوع البلاد إلى مستنقع حرب الصحراء. وهنا نشير إلى أن البلاد ينبغي أن تنتهج نهج الصديق لجميع دول العالم باعتبار أننا في حاجة ماسة إلى التجارب والخبرات في حين أننا لا ينبغي في نفس الوقت أن نتخلى عن المجتمع الموريتاني الصحراوي الذي تربطنا به روابط اجتماعية وثقافية وعرقية بالقرابة أكثر من العلاقة التي تريد المملكة المغرب فرضه عليه.
ج.أ- النظام الحانوتي/3 "أودية العطش" والنظام القبلي
النظام الحانوتي، القبلي، الجيبي، .... كلها أسماء لمسمى واحد جثم على البلاد مذ خمسة عقود ونيف. ويبدو أن الشيخ بعد تكاثف دلالات التسميات والمفاهيم المتعلقة بما يزيد على نصف قرن من الحكم الريعي في البلاد لا على مستوى أن السلطة الموريتانية مجرد حارس للمستثمرين الأجانب، فلو كان الأمر كذلك لكنا في مرتبة الدول الإفريقية الأخرى، وإنما تتمثل هذه الريعية في اعتبار السلطات الموريتانية بمثابة البودجارد لتجار موريتانيين يطلقون على أنفسهم درجة رجال الأعمال. وأظن أن قضية عمال الميناء التي أثارها "كارب" سيد(هم) محمد ولد غده الذي يريد الاستعلاء على السلطة والعمال وعدم دفع حقوقهم، على غرار بقية التجار، مثال حي على هذا الأمر.
غابت الآيات التي ألفنا الكاتب يستهل بها المقالات الخطب الموسومة بالنظام الحانوتي من الاستهلال وظهرت في المتن، ولم أجد سببا غير تشتت مفاصل المقال الأخير إلى درجة لم يجد استهلالا ينظم فقراته فاستأثر أن تأتي الآيات داعمة لبعض الفقرات في المتن بعد أن كانت في الاستهلال تعالج القضية الجوهرية التي تقف وراء المقالات الثلاث؛ وهي إرجاع عدم الانسجام في ما كتب الرجل في مرحلتيه إلى صفة البحث عن الحقيقة التي وصف بها الكاتب نفسه ضمنيا، على الرغم من أن المرحلتين تشتركان في قوة اندفاع الرجل في الدفاع عن مواقفه. نتمنى أن يكون الدافع في البحث عن الحقيقة وطنيا على غرار رأي الكاتب باعتبار ورود دوافع أخرى ذكرتها بعض الردود، سنذكرها في محلها.
بروز مفهوم حكم الفرد من جديد والحزب الحاكم وما إلى ذلك من مفاهيم التصقت بذهنية أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات عندما حكم الرعيل الأول من المناضلين السياسيين والمكافحين من أجل الاستقلال التام الذي أضفى عليهم شرعية الحكم المطلق وما تلاه من دكتاتورية وتحكم في رقاب الشعب على مستوى القارة الإفريقية، وانقلابات شرعنها بعض النافذين "المثقفين" في البلاد. وعلى الرغم من أن نظام الحزب الواحد قد حكم البلاد منذ الاستقلال إلى أواخر السبعينيات فإن تلك الفترة اتسمت في العالم بتلك الصفة بناء على اعتبار الرواد أنقذوا البلدان من نير الاستعمار. ولكن ظهور الشرخ الاجتماعي الذي نجم عن أحداث 1966 وظهور حركة الكادحين على الرغم من اتهام السلطات الموريتانية بقمعها من أجل القضاء عليها؛ قد شكل جوا من الحرية تولدت منه بعض المشاكل التي تفاقمت أثناء حرب الصحراء حسب البعض؛ وترجمها العسكر إلى انقلاب عسكري أصل لكارثة الفساد التي تلقفها المجتمع الأهلي الموريتاني بكل أريحية. وأظن أن محاربة الفساد ينبغي أن تُتبع فيها معايير أردع وأقوى عقوبة مما يتبعه النظام الحالي الذي اتسم بالريادة والسبق لنظرائه في هذا المجال رغم ما أثير حول محاربته للظاهرة المستفحلة من أسئلة وقضايا من أهمها اتهامه بالانتقائية.
يعتبر التركيز على القبيلة ميزة سياسية تولدت منذ تبني المشروع الديموقراطي أو فرضه من متران وجورج بوش الأب، إن أردنا الدقة في بداية التسعينيات. فقد لعب عليه نظام ولد الطايع الذي شتت القبائل شيعا في سياسة استفحل فيها التقري الفوضوي وزادت فيها البلديات بأعداد هائلة وقلصت فيها حدود المدن إلى درجة أصبحت فيها بعض القرى البلدية تمسح مساحة تفوق مساحة عاصمة الولاية بكثير. تقسيم إداري غريب قرابة اقتناء شهادة الصحة في البلاد، بطاقة تباع وتشترى لا تمت بصلة إلى حاملها إلاّ باسمه الذي يوضع عليها وضعا من طرف الممرض البائع.
صحيح أن هذا التوجه المعتمد على القبلية في حقيقته فرديا أو فردانيا باعتبار أن النظام يتصل بشيخ القبيلة أو وجيه من وجهائها قد ورث هذه الوجاهة التي لا يستحق في حال من الأحوال انطلاقا من المسلمات الاجتماعية المتهالكة التي يؤمن بها المجتمع بطريقة غريبة. فتنهال الهدايا بأنواعها على ذلك الشخص وأسرته من أجل تقديم صكوك بيع قبيلته. يبتاع منه النظام ذمم أفراد القبيلة على طريقة البنوك الربوية. ويلبي أفراد القبيلة الدعوة بقرع طبول القبول غير عابئين بأنهم يبايعون النظام بطريقة ملتوية وغير شرعية ولا دستورية مسلمين له العنان في نهجه الذي لا يقل عشوائية عن طريقة قبولهم للتصويت له.
ويبدو حسب المقال أن النظام الحالي ورث هذه القضية على نظام معوية، ولا غرابة في ذلك فللقبيلة، رغم سلبية استثمارها بطرق ملتوية عديدة، مكانة كبيرة في لا وعي الموريتاني خاصة أن صندوق الضمان الاجتماعي أو "اكنام" في النسخة الجيدة لم يستطيعا تلبية ما يمكن للقبلة حله في فترة وجيزة. فصحيح أن للقبيلة وجه اجتماعي إيجابي متميز ولكن إذا ما تم استثمارها سياسيا مكان الكفاءة والبرامج الانتخابية سنكون بمثابة من يريد جمع "الدقيق" في مهب الريح.
أحصى الطبيب خمسة عشر منصبا سياسيا وإداريا نسبها إلى قبيلة الرئيس بعد أن أثنى عليها نتيجة لما حفظه التراث الشعري من أمجاد نسبت إليها، .... وهو أمر ليس بغريب عندنا خاصة أنّ تراثنا حفظ لنا "حكما" مأثورة مثل "ألّ اتولّ شي ظاكو" و"ليْد ألاّ امْنْ ارْجَلْها" و"إلّ احْكَم اعْشَاهْ لَغْداه ما تَشْتْفَ فيه اعْداه" و"المَاهُو فَكْبِيلُو حبْش تكْلَع ليلو"... (حكم حسانية للشيخ الفلاني، في، فيسبوك) وأمور كثيرة إذا ما حللناها سنجد أنها تدور في هذا الفلك. ولكن مهما كان، فعلى دعاة القبيلة إن لم يستسيغوا استيعاب مفهوم الدولة العصرية ومقوماتها أن يعتبروا الدولة قبيلة وأنها في هذا العصر حامية المواطن وأن لكل مواطن دوره الخاص الذي ليس من حق أي أحد نيابته عنه أو وساطته فيه، فلماذا نعتمد لكل شيء وساطة؟
أثار الطبيب قضية حساسة تمثلت في محاولة إحداث رجة في ما أسماه "حكم البيضان" الذي حددهFRANCIS DE CHASSEY في كتابه " موريتانيا من سنة 1900 إلي 1975" ترجمة الدكتور محمد ولد بوعليبة ولد الغراب؛ في تراتبية كاريكاتورية لا تزال مهيمنة فـ"المجتمع المحلي شديد التراتب. والطبقات الاجتماعية محددة بوضوح؛ بالوراثة والتقاليد" (الأخبار). والمجتمع المحلي يعني "أرض البيضان" باعتبار أن الاستشهاد المذكور مأخوذ من نص نُشر 1924. فبعد تسعين سنة لا تزال الإشكالية مطروحة. فلا يزال التصنيف الاجتماعي نفسه طبقات اجتماعية محددة تلعب فيها الجينات الوراثية والتقاليد البائدة دورا كبيرا، والأدلة معاشة يوميا لا داعي لذكرها.
انتقل الطبيب إلى العامل الاقتصادي، مربط الفرس ومسبار الغبن الاجتماعي، وقد ذكر أرقاما مهولة لا يتعذر تصديقها لما بين صادرات البلاد من خيرات وانتشار مظاهر الفقر في العاصمة دون أن نذكر مثلثات الفقر المنتشرة عبر البلاد. ولست هنا أتهم النظام الحالي على غرار الطبيب وإنما أعتبر الأمر موروثا من المتتالية الاجتماعية الطبقية التي حكمت البلاد منذ أزيد من قرن أو قرنين. باعتبار أن كثرة المنظمات الخيرية المحاربة لظاهرة الفقر لم تنطلق من دراسات اجتماعية تاريخية تبني عليها استراتيجية مكافحة الظاهرة وإنما انطلقت من المظهر الخارجي للتوزيع الحضري والتقري الفوضوي العاكس للظاهرة والمتضمن لرسائل خفية تستجدي من خلالها الأنظمة المتعاقبة على البلاد المنظمات الاقتصادية العالمية على غرار ما كانت تعكسه الكبات التي تغلب عليها النظام الحالي من ناحية تقسيم الأراضي في انواكشوط وانواذيبو، ومحاولة دمج بعض القرى في مدن حضرية، وخلق أخرى جديدة.
اختتم الطبيب المقال بالتعريج على عدة قضايا مثل بروز أغنياء جدد، وإفلاس آخرين قدماء، بالإضافة إلى ظهور حركات حقوقية اتهمها بالعمالة وتفشي ظاهرة التجني على المقدسات، وظهور جيل جديد من ناهبي المال العام أشد نهما في شفط المال العام وابتلاعه من المعلمين التقليديين. وبعد اكتمال الصورة يظهر النظام الجديد مجسدا للمتولوجيا اليونانية على الأرض، من خلال شخصية دينيسيوس التي تعتبر مرجعا أساسيا في إرساء أنظمة المرتزقة. وينتهي المقال الخطبة بالوعظ. وهذه الأمور كلها على الرغم من أن بعضها ظهر في النظام الحالي لا يمكن في حال من الأحوال أن نربطها به باعتبار أن بعض المسائل نتاج تراكمات عديدة منها ما هو خارجي ولد طريقة جديدة في الكتابة رام أصحابها خرق الحجاب الحاجز لثقافتنا الاسلامية نتيجة الحراك الذي أسقط بعض الدكتاتوريات القديمة، ومنها ما هو داخلي نتيجة التصنيف الاجتماعي الجائر الذي اتخذ من الصراعات العرقية والدينية مرجعا له إلى حد أن ولد امخيطير اراد تاصيل الظاهرة في مجتمع الدولة المدينة في صدر الإسلام قافزا ما يزيد على 14 قرنا من الزمن وشمال إفريقيا والبحر الأحمر.
2- الردود على المسار الحانوتي:
تنبأ الطبيب السابق بأن هذه الردود ستكون "قاسية" لقيامها على عنصر "المفاجأة" نتيجة تضارب الموقفين الذين طبعا مسار كتبته. نشير إلى أن قوة التضارب والتناقض النفسي الذي أثارته هذه المقالات يعود في جزء منه إلى غياب التموقع الموضعي للأحداث في ذهن المتقبل. فذهن الإنسان ربما لأسباب ذهنية عرفانية أو بايلوجية غير قادر على استيعاب أن الإنسان لظروف ما ولتموقع ما وللتشبع بأيديولوجية ما يتخذ مواقف تختلف إن اختلفت منطلقاته التصورية بدرجة لا يمكن أن نمثلها إلا بالحرباء Caméléon التي تأخذ لون محيطها الخارجي. وهي طريقة في التخفي تمتدحها بعض الثقافات كالفرنسية مثلا وتذمها بعض الثقافات كالعربية على الرغم من أن لنا أمثلة في المأثور الشعبي تمتدحها شئنا أم أبينا "ألِّ ادْخَلْ غَابَه يَزْوِ زَيْ اَطْيُورْها". وأظن بناء على الردود أن هذا الأمر ممنوع في السياسة عندما تكون الوجهة من النظام تجاه المعارضة أكثر من العكس بناء على ما عكسته الساحة الثقافية والصحفية من انتقاد للمسار الحانوتي؛ إلى درجة يتبين معها مدى استفحال النفاق السياسي عندنا، دون أن ننسى النفاق الديني الذي بدأ يكشر عن أنيابه في الآونة الأخيرة بعد أن انخدعنا لـ"وُصَاةُ" نصرة خير البرية في جمعات خلت، قبل أن ينتهجوا طريقا وصفه البعض بالحيد عن جادة السبيل لما ظهر ملامح الفوضوية في تصرفات قواده.
أ- سيد محمد ولد آب والمستر هايد الحلقة الأولى والثانية
حاول الكاتب إسقاط رمزية صراع الخير والشر التي عرفتها الأفلام الكاركاتورية في فلم Hulk على شخصية الدكتور حرمه ولكن الكاتب اختار فلما كاريكاتوريا جديدا هو "الدكتور جيكل والسيد هايد" يراه معبرا عن شخصية الشيخ ولد حرمة. وأظن أن وجه الشبه بين الشخصية المزدوج والدكتور"(جيكل) في النسخة الموريتانية" (مستر هايد/2) .منعدما أو يكاد إذا ما نفينا فرضية أن دلالة الشر عند ولد آبة تكمن في معارضة النظام في حين أن الانتماء إليه خيّر.
انطلقنا من هذه الفرضية بناء على قرائن كثيرة احتواها المقال من أهمها "شيء قريب من هذا حدث مع الدكتور الشيخ، فقد كان مسيطرا على المستر هايد، حين كان في الحكومة ..." (مستر هايد/1). تدخل شخصيات عربية على المشهد الساخر لتزيده هولا وهي: الحطيئة (شاعر مخضرم هجائي هجا أمه، وأباه، وهجا نفسه، عاش دعيا، لا يعرف له نسب. أظن أن هذا الأمر هو ما أثر في نفسيته) وابن هانئ (شاعر أندلسي ت 362 هـ، عاش حياة الترحال بين الأندلس وإفريقة (تونس حاليا) لأسباب عديدة نحيل القارئ إلى قراءة سيرة حياته).
الدكتور ولد حرمة إذن شخصية جمعية تمسح فترة تاريخية طويلة تمتد بين الحطيئة إلى عصر اليتيوب والدكتور جيكل. يصعب علينا الإلمام بشخصية كهذه اللهم إلا إذا جسدناها بطريقة حصان امرئ القيس
لَــهُ أيْـطَــلا ظَــبْـيٍ، وَسَـاقَــا نَــعَــامَــةٍ وإِرْخَــاءُ سَـرْحَــانٍ، وَتَـقْـرِيْــبُ تَـتْـفُلِ
مع العلم أن امرأ القيس اختار لحصانه أعضاء وسمات جعلت منه رمزا للقوة والشجاعة والسرعة إذا ما أكملنا كل الأبيات التي وصف فيها فرسه. أما الشكل المجسم لشخصية الدكتور حسب ولد آب جاء هزليا لأنه انتقي من أجل تصوير الحالة المتناقضة للوجهين أم المرحلتين المتضاربتين في ذهن أكثر المعلقين على "النظام الحانوتي"، وله الحق في ذلك أي ولد آب. ولكن ما يدعو إلى الغرابة هو اتهام الدكتور بالدعوة "إلى انقلاب تمشيا مع تصوره للسياسي الفعلي" (مستر هايد/1)؛ خاصة أن الدكتور صرح في الاستهلال أنه لا يدعو إلى انقلاب.
هناك ردود جاءت على نمط بعض خطب الجمعة التي تقتصر على النقل والرواية دون معالجة القضايا الحقيقية. ركز هذا الرد المشار إليه على نقل فقرات عديدة من النظام الحانوتي والربط بينها بروابط تكاد تختفي مقارنة بقوة لغة الدكتور. وإذا ما حاولنا لم شتات إنتاج صاحب المقال بإزالة ما نقل من النظام الحانوتي نحصل على تدوينة. ولكن مواقعنا الكرام نشروه ردا على مقال الدكتور أنظر: (في مقال مثير: ولد ببانه يكتب في النظام الحانوتي).
هناك ردود جاءت في ثوب مساءلات مبتعدة عن التجريح والنيل من شخص الكاتب بالأسلوب الذي طبع بعض الردود التي لا يخفى فيها ارتفاع وتيرة الصراع السياسي "وإننا لنراك أيها الشيخ من المفسدين حين تعميك العمالة عن رؤية أودية الزرع والخير الوافر وما أنعم الله به على الأمة الموريتانية في عهد الرئيس المصلح محمد ولد عبد العزيز في وقت تعيش فيه أغلب بلدان العالم من حولنا ويلات المجاعة والحروب والتقسيم والتأزم ويوميات الربيع المشؤوم" (الشيخ والمسار المكشوف)، "إن الموريتانيين بكل فئاتهم يعترفون بجميل الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي أنقذ البلاد من شفا الهاوية السحيقة، وأعاد للوطن عزته وكرامته إقليميا ودوليا" (على هامش المسار الحانوتي).
طرحت الردود التي ابتعدت عن التجريح إلى حد ما أسئلة حول علاقة الدكتور بالمغرب، وأكدت أن الوكاف هو الوزير الأول بما أنه يتهم بشطب الوزير من لائحة حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وتساءلت إن كان الوزير سيتحدث عن عملية الفساد التي لحقت بوزارة الصحة، ... وما إلى ذلك. (أسئلة وملاحظات حول المسار الحانوتي).
جاءت شخصيات الطبيب والآيات القرآنية التي اسدتل بها وضمنها لمقالاته متناغمة مع النص، تخدم توجهه وطرحه بما أن الرجل أخذ وقتا ربما في التدقيق والتفصيل وذلك ما غاب في الردود لو استثنينا بعضها. ففي (الشيخ والمسار المكشوف) تحس بأن الآيات مقحمة؛ وفي (مسار التهافت) تحس أنّ قصة هدية كتاب التهافت كذلك.
ب- سيد الأمين ولد باب، مسار التهافت
أول فرضية انطلق منها الكاتب في محاولة دعم تسميته للنظام الحانوتي بمسار التهافت هي أن "النقد غالبا يكون متأثرا بأحوال ذاتية تدفع به إلي التهافت في نهاية المطاف." (مسار التهافت). وإذا ما رجعنا إلى مفهوم النقد وهو منهج أو علم من علوم الأدب، نجد أنه يعني إبراز المحاسن والمساوئ التي انبنى عليها النص المدروس. فإذا لم يقم الدارس أو الناقد بقراءة الجانبين أظن أنّه أخل بدلالة المفهوم، ولا اعتقد أن نصا من النصوص تكلف فيه كاتبه عناء السهر في تنظيم أفكاره واختيار فصوله ومحاوره يخرج في نهاية المطاف أعرج أغبر أجوف.
من السطور الأولى أجرى ولد باب فرضيته على النظام الحانوتي وله الحق في ذلك فللنقد اتجاهان فقد يكون استقرائيا وقد يكون استنباطيا ويبدو أن الكاتب اختار الأول بما أنه انطلق من العام إلى الخاص ولكن الخلل في أن ولد باب وصل إلى النتيجة من الوهلة الأولى فـ"بعد الحلقة الثالثة، المعنونة (بالحكم القبلي) أصبح من الواضح إلي أين يتجه هذا المسار الحانوتي. إنه يتجه إلي التهافت، أي تهافت التهافت" (مسار التهافت).
جاء الرد في خمسة محاور بينت مسار التهافت عند ولد باب في إشارة إلى وضع تسمية جديدة للمفهوم الذي ابتكره الدكتور بناء على قصة وقعت في المغرب، باعتبار أن قرية الدويرة قرية مغربية أو بلدية مغربية.
1- النعرات القبلية
بدأ الكاتب بذم إثارة النعرات القبلية لما يترتب عها من مشاكل نافيا أن يكون في العصر الحديث دول تتخذ من القبيلة لبنة أساسية. وحسب اطلاعنا يكاد يكون العامل القبلي حاضرا في كل الدول العربية والإفريقية. وإذا لم يكن حاضرا على المستوى السياسي والاجتماعي فلأن الدكتاتورية غيبته وحجبته على غرار قضايا الفقر والأمية ولكن الحراك الأخير الذي انطلق من تونس بين للعالم أن بعض الدول كانت تخفي التقسيم القبلي بالتقسيم الجهي.
نفى الكاتب ربط المسألة بنظام عزيز ونشاركه في ذلك الأمر، ولكن الدكتور أشار فقط إلى أن نظام عزيز من أكثر الرؤساء حديثا عن القبلية؛ ولكن مقالا جديدا جاء على شكل نقل بعض المعلومات التي حضرت صدفة أثناء مقابلة جرت مع فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز ذكر فيها والكلام منسوب إلى الرئيس "أنا لا أبالي ولا أؤمن بالقبيلة ولم أتربى حتى في أحضان قبيلة ولذلك فإن جل علاقاتي هي من خارج المحيط القبلي... " (عزيز يتحدث عن علاقته بقبيلته وعن القطيعة مع ولد بوعماتو).
وأظن أنّ نظام عزيز لا يمكن أن يتجاوز نظام ولد الطايع في توزيع الحقائب الوزارية والإدارية حسب القبيلة ومكانتها، خاصة أنه هو من أدخل الخيار القبلي في السياسة كما أشرنا. وإذا كان سبب مقتل عثمان ابن عفان حسب بعض المفكرين كان لاتهام البعض له بتولية قبيلته على الرغم من أن بعض الدارسين ذهب مذهب ولد باب معتبرا أنّ عامل الثقة من بين الخيارات التي اعتمدت في تولية بني أمية، فإن ذلك لا يمكن أن يكون المبرر الأوحد المعتبر اللهم إلا إذا كان بعض الأسماء التي ذكر ولد حرمة سبقت النظام الحالي الذي تناست كل الردود أنه جاء بانقلاب عسكري على الشرعية خلافا لما يريد كل مناصري الانقلابات الذين ادعوا على مر التاريخ أن العسكر أنقذوا بلدانهم. مثل عبد الناصر وحافظ الأسد والقذافي وصدام حسين وبن على، ولد عبد العزيز، والسيسي، ... وغيرهم كثير؛ صوروا للشعوب انقلاباتهم على أنها ثورات شعبية، والأحياء منهم انقلبوا على حراك 2011.
ساءل ولد بابه الدكتور عن فترة تعيينه على وزارة الصحة وما دار من تجاذب حول ميزانيتها، وعن سبب الخلاف الصارخ بين الهيام والبغض الذي طبع المرحلتين، معتبرا أن كل ذلك يحمل رسالة موجهة إلى العامة من أجل توريطهم في ما لا تحمد عقباه. وانتهى إلى ما أسماه بذاءة الدكتور، والبذاءة: هي الفحش (لسان العرب). وقد استدل الكاتب بالآية 148/النساء وبما أن الاستثناء لا يخدم المعنى نفى أن يكون الدكتور مظلوما، في بلاد يكاد يكون الظلم فيها لونا وطنيا بمعنى الوطنية عندنا. صحيح أن النظام الحانوتي تخللته كلمات نابية قد تحرج "دعاة الاخلاق" فينا، إلاّ أنّها لا تصل في حال من الأحوال درجة البذاءة، كما أن صورة صفات أصحاب الكهف التي يراد خلعها على الأنظمة الموريتانية مزيفة بما في الكلمة من معنى.
2- إشعال الفتنة: اتهم الكاتب الدكتور بالتحريض على الفتنة والتخطيط إلى حرب أهلية وإلا لما كان للكلام الذي استنبط منه الكاتب هذه المعاني أية دلالة عند الدكتور. وقد وقفنا في النظام الحانوتي/1 على حديث الطبيب عن معارضته للثورة من داخل النظام ومعارضته لها وهو يصفه وغيره من الأنظمة المتعاقبة على البلاد بالنظام الحانوتي؛ معتبرا أنه مهما كانت الحاجة ماسة في أي وقت مضى إلى التغيير فإنه يفضل التغيير بصناديق الاقتراع.
حقائق تجاهلها الدكتور حسب تعبير ولد باب مثل أهمية حوانيت أمل، ومحاولة تبريره لما أسماه بيع بطاقات الهوية. نشير إلى أن هذه الظاهرة تنتشر في جميع أنحاء العالم، ولكن بطاقة التعريف مجانية إلاّ في حالة إتلافها أو ضياعها فإن صاحبها يدفع ضريبة. المهم ليس الدفع مقابل أوراق الحالة المدنية، حسب رأيي، المهم هو هل هذه الأموال المدفوعة تساهم في تطوير الحالة المدنية وإعادة تأهيل عمالها أم أنها كما قال الدكتور تساهم في تعزيز صمود النظام الجيبي؟
فند ولد باب جميع القضايا التي تحدث عنها الطبيب باعتبار غياب مصادر بعض المعلومات السرية مثل الأخبار الحميمية التي تخص فخامة الرئيس وشركة كينروس وما إلى ذلك. وفي الختام ينفي الكاتب عنه أية تهمة تجعل كلامه تحامل على الدكتور وإنما تبنى هذه الوتيرة من أجل أن يعم الخير ويبقى الطبيب معززا مكرما بين بني جلدته.
في الختام نخرج بنتائج في ملاحظات نوجزها في محاور ثلاثة:
- الترحال السياسي وما يشوبه من قضايا يتنازعها الاتهام بالشخصنة والذاتية مقابل ادعاء السعي في مصالح البلاد خاصة إذا ما أعلن المترحل مواقفه قبل الرحلة.
- دوافع الرد وادعاء أحقيته خاصة إذا ما تعلق الأمر بـ"تصفيكة"، والهجوم على النص بأفكار مسبقة تفرغه محتواه الفكري وانتظامه الأدبي.
- التحامل على شخص الكاتب وإباحة دمه بين الردود وأصحابها على طريقة خطة قريش في قتل الرسول صلى الله عليه وسلم أيام الهجرة النبيوة الشريفة.
المصادر والمراجع
1- المصادر
بن بوعليبة يترجم كتاب موريتانيا من سنة 1900 إلى سنة 1975
د. ولد حرمة الشيخ:
2- المراجع
بيان حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في رده الضمني على الدكتور حرمه
ولد ابه سيدي محمد:
أ- الدكتور ولد حرمة والمستر هايد (الحلقة الأولى)
ب- الدكتور ولد حرمة والمستر هايد (الحلقة الثانية)
على هامش المسار الحانوتي
ولد أحمين أعمر محمد المختار: عزيز يتحدث عن علاقته بقبيلته وعن القطيعة مع ولد بوعماتو
ولد باب سيد الأمين مسار التهافت الحلقة الأولى
ولد المصطفى الحاج أسئلة وملاحظات حول المسار الحانوتي
0 التعليقات:
إرسال تعليق